fbpx

العمل الأهلي في السويد … بين الواقع والطموح

18

أسامة الماضي – محامي، كاتب وناشط حقوقي من سوريا، عمل في مجال الكتابة الصحفية ومجال حقوق الإنسان مع عدة منظمات عربية ودولية، حاصل على شهادة القانون والماجستير في القانون الجنائي من جامعة دمشق. أكمل دارسة القانون الاجتماعي في السويد في جامعة Linnéuniversitet وناشط في مجالات الاندماج وتطوير الجمعيات والمؤسسات الأهلية.

يلعب العمل الأهلي على العموم عاملاً مهماً يسهم في الارتقاء بفكر الفرد وإشراكه في الحراك الثقافي الذي يعكس بدوره قيمة التراث وروح تبادل الآراء البناءة لخدمة كل من الفرد والمجتمع والارتقاء بهما على حد سواء وتسهيل وتنمية عمليات التواصل البناء مع الآخر, بما يسهل لمجمعات مختلفة ثقافياً وربما دينياً وعرقياً الاندماج بطريقة سلسلة ومتزنة تخلق بدورها بيئة خصبة لتعايش مستدام.

وفي البيئة الأوروبية -العربية عموماً إن جاز التعبير يرجع العمل الأهلي في تطوره التاريخي إلى الحقب الأولى من الثمانينيات وبدرجة أكبر فترة التسعينيات حيث غرس القادمون لبلاد الشمال -وتحديداً السويد مدار الحديث- أولى بذور النشاط الأهلي الذي عكس ولا زال يعكس الثقافة الشرقية في الساحة السويدية، الأمر الذي أخذ بالتطور تدريجياً ليصل أوجه مع الزخم العددي الذي وصل السويد خلال الأعوام ٢٠١٢،٢٠١٣،٢٠١٤ والذي بلغ أوجه العام ٢٠١٥ من خلال موجة اللجوء الأكبر التي استضافتها البلاد.

وعلى الرغم من عملية التطور المستمر التي عاصرها العمل الأهلي في السويد، وتحديداً خلال الثلاث عقود الماضية، إلا أن التطور المذكور بحد ذاته لم يخفي حقيقة وجود عقبات ومن جهة أخرى إشكاليات اعترت هذا العمل عبر حقبه الزمنية المتواصلة لاسيما كما ذكر سابقاً في عقوده الثلاثة الأخيرة.

عن واقع العمل الأهلي في السويد والعربي تحديداً عبر السنوات السابقة حاورت “ألوان أوروبا” اميل صرصور وهو الرئيس السابق لاتحاد جميعات المهاجرين في مدينة ابسالا الذي وصَف العمل الأهلي والعربي تحديداً بالقول:

’’الجالية العربية كمعظم الجاليات الأخرى التي جاءت إلى السويد تحمل في نفسها حذراً, بل أحياناً كثيرة خوفاً من السلطات أو تملقاً لأصحاب القرار ولذلك كان في البداية إنخراطها ضعيفاً جداً بالحياة السياسية والاجتماعية اليومية’’. 

ويتابع: ’’مع الأيام وجدت التجمعات الثقافية التي كونها الناطقون بالعربية شكلاً آخراً من المشاركة الحياتية، وهو مؤسسات و جمعيات المجتمع المدني. في البداية بدأت كل جالية إثنيه تشكل لها إطارها الخاص كالفلسطيني، السوري أو العراقي… وبعدها تم محاولات الجمع بين الاثنيات كالنادي الثقافي العربي 2019، ولكن معظم هذه الأطر أو الجمعيات إنفلشت أو خبت لأسباب عدة’’ على حد تعبيره.

ويعزو اميل صرصور أسباب فشل تطور عمليات تأطير العمل الأهلي العربي في السويد في بعض الأحيان إلى أن المشرفين على التجمعات والجمعيات المختلفة بمختلف مسمياتها ’’كانوا يُغلّبون العمل السياسي على العمل الاجتماعي ولكن بعد مده يختلفون في السياسة’’.

وسبب آخر أيضاً وهو عقلية بعض المؤسسين غير الديمقراطية، وذلك بفرض عملية التفاعل كما يريدونها هم وليس كما يريدها الأعضاء المشاركين، الأمر أدى بدوره إلى ’’شلّ أية حالة أو فكره جيدة إذا لم يوافق عليها المؤسسون’’. والسبب الثالث وفقاً لاميل صرصور يتمثل في الفردية في التعامل، حيث أن ’’الجميع يرى نفسه لديه تأهيل لقيادة الجمعيات والتجمعات فتنحدر الأخيرة من حالة القوة إلى حالة أضعف عبر تحولها من تكتل جامع إلى عدة جمعيات أو تجمعات ضعيفة.

ويردف قائلاً: “الجمعيات حالة واطار مهم جداً للتأثير الإيجابي في نواحي المجتمع السويدي بكل نواحيه ولكن للأسباب أعلاه مازال تأثيرنا ضعيفاً مقابل إمكانياتنا الغنية”.

اميل صرصور الذي أمضى عشرات السنين لاجئاً في السويد اعتبر الفئات الشابة المتمثلة بالقادمين الجدد “طاقة هائلة”، راجياً إياهم أن لا يقعوا في أخطاء وقع بها قدامى عرب السويد ممن حاولوا بناء وتأطير العمل الأهلي في البلد المضيف.

من جهتها ترى رانيا أبو ربيع وهي رئيسة جمعية “كارلسكوغا للجميع” الثقافية وعضو مجلس إدارة “إتحاد جمعيات موكين” في مقاطعة أوربرو وسط السويد أن ’’الحركات الشعبية ومنظمات المجتمع المدني لعبت ولا تزال دوراً حاسماً في بناء الديمقراطية السويدية، كما ساهمت في إغناء الحياة الثقافية، فهي توفر للمواطنين طريقة للعمل معاً من أجل الصالح العام وتساهم في تحويل المعتقدات والآمال المشتركة إلى أفعال’’.

ووفقاً لأبو ربيع فإن البعض يطلق على مؤسسات المجتمع المدني العاملة في السويد لقب “القطاع الثالث” نظراً لكونها تتشارك مع القطاع الإقتصادي والمؤسسات الحكومية الأخرى السلطة بشكل أو بآخر. وتتابع: “ما لا يقل عن 75 ٪ من الشعب السويدي هم أعضاء في جمعية واحدة على الأقل سواء كانت جمعية أو منظمة تهتم بالرياضة أو بالمسرح أو بالموسيقى أو تنظم حلقات دراسية ودورات تعليمية’’.

 

وعن التحديات والعقبات التي تواجه قطاع العمل الأهلي عموماً والعربي على وجه الخصوص تقول أبو ربيع التي تنشط أيضاَ في مجال دعم النساء من أصول مهاجرة والقادمين الجدد: ’’التحديات والعقبات عديدة لعل أولها هو عامل تحديد الإنتماء، حيث يصعب على الشخص ذي الأصول الأجنبية ومنهم القادم من دول عربية أن يقرر أين سيكون, والسبب يرجع لوجود العديد من التجمعات والتكوينات ذات الهويات المتنوعة واللتي ينتمي إليها أصلاً.

أمًا التحدي الثاني فهو الكوادر العاملة، فالعديد من الجمعيات الثقافية تفتقر إلى مجالس إدارة مدربة ومؤهلة للعمل بشكل مؤسساتي، كذلك يعد ضعف المهارات اللغوية أو قلة الخبرة بالقوانين الناظمة للجمعيات عائق كبير في إدارة شؤونها’’.

كما أن التحدي المتمثل ب”النمو والإستدامة” له تأثيره كما ترى رانيا أبو ربيع حيث يعد عامل التمويل الكافي بشكل يضمن استمرار تلك الجمعيات والملتقيات بمختلف مسمياتها بالعمل على خدمة جميع أفرادها بشكل خاص والمجتمع بشكل عام ’’تحد كبير يهدد بشكل دائم تلك المنظمات بخسارة الكوادر الفاعلة وذات الخبرة والكفاءة’’.

وفي تعريجها على موضوع برامج الأنشطة التي تقوم بها كوادر العمل الأهلي في السويد ومنه العربي تعتبر أن: ’’تفاعل المواطنين مع الأنشطة والمحاضرات والدورات مشكلة تعاني منها العديد من منظمات المجتمع المدني، وقد يعزى ذلك إلى تكرار ذات الأنشطة والفاعليات من قبل أغلب الجمعيات بدلاً من استقصاء احتياجات الناس الأساسية وتصميم دورات مخصصة ذات فائدة للفئات المستهدفة’’.

علاء الدين اسماعيل أمضى عدة سنوات ناشطاً في مجال العمل الأهلي العربي في مدينة هوكسبي جنوب شرق السويد. قام علاء بمشاركة أخرين من عرب المدينة بتأسيس جمعية ثقافية أسموها “جمعية مسك الثقافية في المدينة.

يشدد علاء على أن العمل الأهلي العربي كان ولازال في مراحل النمو والتطور نتيجة تراكم الخبرات عند العاملين فيه، مؤكداً بذات الوقت على أهمية الدور الذي يلعبه العمل الأهلي بمختلف أطره وجوانبه في نواحي عدة أبرزها تسهيل اندماج القادمين الجدد في البلد المضيف، تعزيز التقارب بين الثقافتين العربية والسويدية وكذلك في مجال توعية من قدموا للسويد للعيش فيها بمعلومات مختلفة متعلقة بالمجتمع الجديد.
 
ويتابع اسماعيل بالقول: ’’نحن نعيش في بلد يختلف عن بلداننا في أمور عدة منها اللغة ومنها العادات والتقاليد. القوانين أيضاً هنا مختلفة كذلك الأمر فيما يتعلق بطريقة تفكير الشعب السويدي. لذلك أرى أنه من المهم للغاية وجود العمل الأهلي في السويد عموماً وأن يكون له دور فعال ومحوري في تمهيد الطريق لمن قدم لهذه البلاد للدخول للمجتمع وتسهيل عقبات الاغتراب عبر وضع خطط تعليمية وتثقيفية عامة يندرج ضمنها محاضرات توعوية ودروس تعليمية وأنشطة ترفيهية مختلفة’’.
 
مجال أخر يراه اسماعيل مهماً تلعبه الجمعيات والتجمعات الأهلية العربية في السويد وهو المحافظة على اللغة الأم ورفدها وتطويرها عند الأطفال وصغار السن تحديداً: ’’هناك العديد من التجمعات الأهلية والثقافية العربية وكذلك غير العربية التي تبدل جهود جبارة في مجال اللغة الأم لأهمية المحافظة عليها، لاسيما عند الأطفال الذين يتعلمون اللغة السويدية وربما لغات أجنبية أخرى بسرعة كبيرة، بينما يكون الهاجس احتمال فقدان الطفل لغته الأم من حيث مهارات القراءة والكتابة والنطق والاستماع’’.
 
ويتابع: ’’لاشك بأن مصلحة المدارس السويدية تفرد لهذا الجانب اهتماماً عبر الحصص المدرسية لتدريس اللغة الأم، لكن هذا الأمر غير كافي للجميع’’.
 
وفي سؤال حول العقبات والتحديات التي تواجه العمل الأهلي يجيب علاء الدين اسماعيل بالقول: “العقبات والتحديات مختلفة. يمكنني القول أنها عبارة عن اشكالات عدة على رأسها ربما خوف البعض من الانتساب للجمعيات والتجمعات المختلفة وهذا الأمر مردود لضعف وربما عدم وجود ثقافة المجتمع المدني والعمل الأهلي المؤسساتي في البلدان التي قدمنا منها’’.
 

الجدير بالإشارة إليه أنه لا يوجد فعلياَ قانون خاص في السويد يتعلق بالجمعيات غير الربحية أو ما تسمى التطوعية وهي القالب الأوسع لمختلف أشكال العمل الأهلي في البلاد. لكن هذا الأمر لا يعني أن مثل هكذا تجمعات هي “خارجة عن مظلة القانون”, إلا أن لهذه الجمعيات تشريعاتها الخاصة بها على شكل لوائح داخلية وممارسات يسري عليها العرف في التعامل. وليس بغريب الإشارة إلى أن السويد تحديداً تضمن للفرد في دستورها الأساسي حريات عدة على رأسها حرية الاجتماع والتجمع وحق الأفراد في تأسيس والانتساب لمختلف التجمعات تحت سقف القانون والقيم الديمقراطية في البلاد.

 

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

%d مدونون معجبون بهذه: